علم أصول الفقه ومقدماته
دورة ارتواء — التأهيل الفقهي

سلسلة انتقال الدين عبر العصور

«الفتن التي تموج مَوجَ البحر» — كما أخبر حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
مع كل موجةٍ محنةٌ تعصف، ومنحةٌ يحفظ الله بها الدين.

لماذا خلقنا الله؟

ما هدفك في الحياة؟

١قصة الخلق

خلق الله تعالى أولَ ما خلق السمواتِ والأرضَ في ستة أيام.

خلق الأرض في يومين، ثم خلق الجبال، وقدّر أرزاق الخلق وما يصلح معاشهم، في يومين.

ثم خلق السموات في يومين، وأوحى في كل سماءٍ أمرَها، وزيّنها بالمصابيح والنجوم.

فهيّأ الله ﷻ هذا الكون لمخلوقٍ جديد، فقال سبحانه:

﴿إني خالقٌ بشراً من طين﴾

﴿إني خالقٌ بشراً من صلصالٍ من حمإٍ مسنون﴾

«إن الله قبض قبضةً من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض: جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض وبين ذلك، والسهل والحَزْن، والخبيث والطيّب».

٢الاستخلاف في الأرض

ثم قال جلّ في علاه:

﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة﴾

فسمّى الله ذلك المخلوق الآدميَّ «خليفة»؛ والخليفة هو الذي يخلُف الله تعالى في أرضه سبحانه بإقامة شريعته وتحقيق مراداته في كونه.

ثم جعل كل ما في الأرض مخلوقاً له، وجعل له مقاليدها، واستخلفه فيها لتنميتها وعمارتها بما أمره سبحانه به.

فشرفُ الخلافة ورفعتُها مرتبطٌ بشروط.

٣شروط الخلافة

١
تحقيق العبودية لله تعالى

وهي اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله من الأقوال والأفعال، الظاهرة والباطنة.

﴿وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلا ليعبدون﴾
٢
دوام المعرفة بطلب العلم النافع

الذي يقوّي القلب ويعين على عمارة الأرض؛ إذ المعرفة قوة، وبالعلم تتجلى الحقائق.

٣
لزوم البقاء على العهد والوعد مع الله ﷻ

فالميثاق مأخوذٌ على الذرية كلها قبل أن تُخلق.

﴿واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقَه الذي واثقكم به﴾

«إن الله مسح صُلْبَ آدم فاستخرج منه كل نسمةٍ هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً».

وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال:

«إن الله أخذ من ظهر آدم عليه السلام بنَعْمان — عرفة — فأخرج من صُلبه كل ذريةٍ ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كلّمهم قِبَلاً: ﴿ألستُ بربكم قالوا بلى شهدنا﴾».

٤سنة الاصطفاء

فكان أبونا آدم عليه السلام أولَ الأنبياء الخلفاء على هذه الأرض لتطبيق شريعة الله. ومن سنن الله الكونية سنةُ الاصطفاء:

١٢٤٠٠٠نبيّ
٣١٣رسولاً
٥أولو العزم
١محمد ﷺ

حاملُ لواء الحمد، وسيدُ البشرية، الشافعُ المشفَّع ﷺ — لينير ظلمات الكون بنور دين الإسلام.

٥ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام

ثم تعاقب الرسل على البشر في هذا الكون بحسب حاجاتهم والظروف المحيطة بهم، إلى عيسى عليه السلام.

ثم انقطعت الرسائل السماوية، وعمّت الفوضى، وحلّ المقت الرباني — بانعدام الاستسلام لله والخضوع له والعبودية الحقة لعظمته على هذه الأرض بعد عيسى عليه السلام، وانتشار الشرك بالله.

«إني خلقتُ عبادي حنفاء، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أُنزل به سلطاناً؛ وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقَتهم، عربَهم وعجمَهم، إلا بقايا من أهل الكتاب».

٦البعثة وختم الرسالات

إلى أن بُشّرت الأمة بمولد النبي المختار محمد ﷺ، الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، وهداهم بفضل الله إلى معنى الاستسلام للمولى وتحقيق العبودية له من خلال دين الإسلام.

ولما كان الإسلام آخرَ الأديان السماوية، ومحمدٌ ﷺ خاتمَ النبيين، والرسالةُ المحمدية خاتمةَ الرسائل السماوية — أصبح الإسلام وسيلةَ ارتباط الأرض بالسماء، لتحقيق الخلافة التي يريدها سبحانه من البشر بشروطها.

فالدين الإسلامي والتمسك به هو الذي يريده الله تعالى منا؛ وهو الذي نحقق به معنى الاستخلاف الحقيقي على هذه الأرض، عن طريق عدة عناصر منها البشر — أي نحن.

٧الدين يعمل بجهود أهله

فالإسلام منهجٌ للبشر الذين استخلفهم الله ﷻ على هذه الأرض، أنزله سبحانه لينظّم حياتهم. ومن سنن الله ﷻ أن هذا الدين يعمل في حياة البشر بـ:

  1. ١جهودهم
  2. ٢حركتهم
  3. ٣سعيهم
  4. ٤أخذهم بالأسباب

ولا يعمل بخوارقَ وأصحابُه نائمون.

وحتى ينتصر هذا الدين، لا بد لأصحابه — أي البشر الذين آمنوا به — أن يغيّروا ما بأنفسهم، ويرتقوا إلى مستوى هذا الدين، ويتحركوا به في عالم الواقع؛ عند ذلك يحقق الله تعالى بهم قدره، وينصر بهم دينه.

«صدق ربنا، ما جعلنا خلفاء إلا لينظر كيف أعمالنا، فأرُوا الله من أعمالكم خيراً».
عمر بن الخطاب رضي الله عنه

٨أمةٌ ترتبط بدايتها بنهايتها

فالإسلام شريعة الله لهذه الأمة، وهو الدين الذي بدأ بمحمد ﷺ.

﴿هو الذي أرسل رسولَه بالهدى ودينِ الحق ليُظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً﴾

وسيُختم للأمة به بشفاعته ﷺ.

﴿ولا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون﴾

ومن حمل هذا الدين أمتُه من بعده: ابتداءً بصحابة رسول الله ﷺ، وانتهاءً بمن آمن به من أبناء الأمة ولم يره.

٩كرامات هذه الأمة

ولما كانت بداية الإسلام مرتبطةً بنهايته عن طريق أبناء أمته، فقد أكرم الله ﷻ هذه الأمة بكراماتٍ تمهّد لها أن تكون أكثر أهل الجنة دخولاً:

١
كرامة البيان الواضح

فالطريق مبيَّنةٌ لا لبس فيها.

«تركتكم على المحجّة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك»
٢
كرامة وضوح الطريق

صراطٌ واحدٌ مستقيم، وما سواه سُبُلٌ متفرقة.

﴿وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولا تتّبعوا السُّبُل فتفرّق بكم عن سبيله﴾
٣
كرامة التحمّل بالإسناد

فلا ينقطع حبل العلم، ولا يخلو زمانٌ من عدولٍ يحملونه.

«يحمل هذا العلم من كل خلَفٍ عُدُولُه، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين»
٤
كرامة بلوغ الإسلام مبلغه في الكون

فلا يبقى بيتٌ إلا دخله هذا الدين.

«ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيتَ مدَرٍ ولا وبَرٍ إلا أدخله الله هذا الدين، بعزّ عزيزٍ أو بذلّ ذليل: عزّاً يُعزّ الله به الإسلام، وذلاً يُذلّ الله به الكفر»
٥
كرامة الخيرية لهذه الأمة

فالخير فيها لا ينقطع.

«الخير باقٍ في أمتي إلى يوم القيامة»

١٠الخلاصة

فهي أمةٌ ترتبط بدايتها بنهايتها ارتباطَ الخلق بعضهم ببعض، عن طريق الدين الذي أُنزل على خاتم النبيين محمد ﷺ: ألا وهو الإسلام.

﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾

فالإسلام هو الدين الحق، ولا دين سواه.

وهو دين السلام، ولا سلام بدونه.

وهو دين الفطرة، ولن تستقيم إلا به.

هذه حقائق نريد أن نرسّخها في أذهاننا لننطلق منها في موضوعنا، الذي نقصد من ورائه تكوين أرضيةٍ راسخة في القلب، ننطلق منها لضبط منهجية التفكير وحُسن الفهم.